هذا المهرجان الاحتفالي الذي أطلق العهد ورفع الصوت بالقسم على التشبّث بحّق العودة فرديّاً وعائليّاً، هو حدث فريد من نوعه، وهو إشارة لمرحلة جديدة تبدأ...
هو تحرّك جماهيري بدون وصاية الفصائل، فقد ملّت الجماهير الفلسطينيّة، وهي تريد أن تمسك بمصيرها بيدها. إنها ترسل إنذاراً كبيراً لكّل من يعنيهم الأمر: عرباً رسميين منحازين للمشروع الأمريكي، إدارة أمريكية متصهينة معادية لشعب فلسطين ولتطلعات وأمنيات الجماهير العربيّة، كيان صهيوني عنصري: شعب فلسطين لن تدوّخه اضطرابات مفتعلة للسفينة، ولن تستولي على قيادته (أدوات) بائسة منتفعة يتّم تبنيها والدفع بها إلى الواجهة لتأخذ (دوراً) ليس لها، بالعربدة، وافتعال الاقتتال، والانحراف عن وجهة بوصلة فلسطين...
محمود السهلي السبعيني الذي عاش نكبة اﻟ 48 خاطب الحضور ببساطة، من القلب للقلوب، روى بعض فصول المأساة، حمّل أعداء الشعب الفلسطيني، والمتآمرين عليه.. مسؤوليّة ضياع وطنه، وتشريده، ومع الحضور أقسم على العودة أحياءً أو موتى، ولو رماد الأجساد وبقاياها، لتدفن هناك بجوار حيفا في (بلد الشيخ).
ولأن الاحتفال لم يكن عشائريّاً، ولكنه دعوة لاستعادة (البوصلة) وضبطها باتجاه حيفا، فقد وضّح الكاتب ناصر السهلي المقيم في (الدنمارك) بأن هذا الاحتفال ليس عودة عشائرية إلى الخلف، ولكنه خطوة للأمام، فهو تذكير بأن أي جهة في العالم لا تملك حّق التنازل عن حّق عودة الفلسطيني إلى أرض وطنه.
الطفلة الصغيرة، الطفلة التي بحجم الإصبع، صعدت إلى خشبة المسرح، لابسةً الزّي الفدائي، لافةً عنقها الصغير بكوفيّة فلسطينيّة. وقفت باستعداد، وتأمّلت الجمهور، ثمّ انطلقت في تلاوة شعر يتغنّى بالبطولات الفلسطينيّة:
منعوا الكلمة منعوا البسمة
منعوا عنّا حتى النسمة
تلك البنت الصغيرة، الواثقة من نفسها، هجت أعداء الشعب الفلسطيني الذين يحاصرونه، ويطاردونه، ويسرقون منه البسمة والنسمة: منى عثمان عبد العزيز.. استحقّت التصفيق، والدموع، فهي جيل بالكاد يدرج على الأرض ولكنه يتلقّن سّر الارتباط بفلسطين: وعياً وحبّاً وعناداً...
في غزّة (التنظيم) تماهى بالعشيرة، صارت العشيرة هي التنظيم والتنظيم عشيرة، وهذه جناية (الفردية) التي تحكّمت ولم تبن تنظيماً وإنما شبكة مصالح، والعصبويّة التي استشرت في الفصائل صغيرها وكبيرها...
هذه فضيحة المشاريع التنظيميّة البائسة الوعي، التي لجأت في زمن (سلطة أوسلو) إلى التسابق على الوظائف، والاستيراد والتصدير، والنهب السافر، و(تفريغ) الألوف في (الأجهزة) واستزلامهم، وتوظيف ولائهم للطموحات الشخصيّة...
العشيرة في غزّة تختطف الصحافي البريطاني، وفصيلا حكومة الوحدة (الوطنيّة) يقفان عاجزين عن (تحريره).. ترى كيف سيحرران فلسطين في زمن ميليشيات العشائر، والأحياء التي تغلقها وتهيمن عليها؟! حتى في مقاديشو ما عاد هذا يحدث، فالعشيرة هناك صارت مقاومة وطنيّة، بينما عندنا انمسخت الفصائل وصارت عشائر!
عائلة السهلي تجمع الناس في مخيم اليرموك لتتعهد أمامهم على أن أحداً منها لن يتنازل عن حّق العودة، وتطالبهم جميعاً أن يصونوا العهد...
نعم: يمكن أن تكون العائلة لبنة اجتماعيّة تعلي البنيان إذا ما تسلّحت بالوعي، عندما لا تكون معزولة عن الوعي الوطني والاجتماعي والانتماء والشعور بالمسؤوليّة...
من بيروت عدت إلى دمشق، بعد أن شاركت في (مؤتمر حّق العودة) الذي بحث في نقطتين: حّق العودة، و.. إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينيّة، والذي نجح رغم الحملة التي شنّها الجهلاء الخائفون من أي تحرّك شعبي فلسطيني، والذين هم سبب بلاء الشعب الفلسطيني، وإضاعة بوصلة الإبحار إلى فلسطين، وتتويه السفينة الفلسطينيّة في صراعات تافهة.
وإلى برشلونة في إسبانيا لم أتمكن من السفر رغم أنني تلقيت دعوة لحضور المؤتمر التأسيسي للجاليات الفلسطينيّة بتاريخ 25 الجاري، تحت شعار: الصمود والعودة، نعم للشرعيّة الدوليّة، نعم للسلام العادل والشامل ، لا للإملاءات والمفاوضات الاستسلاميّة...
قبل أيام عقد مؤتمر العودة في روتردام بهولندا، وضم مئات المشاركين الفلسطينيين...
وهكذا فالنشاط الشعبي والجماهيري، في الوطن والشتات ناشط ومطمئن، وهو البرهان على يقظة الشعب الفلسطيني...
في هذا النشاط يلعب مفكرون، باحثون، صحافيون، كتّاب.. فلسطينيون دوراً بارزاً، في حين يواصل منتفعو الأنجزة سمسرتهم، وتنظيراتهم للحوار مع (الآخر)!
كل هذه النشاطات تعيد توجيه البوصلة لتهتدي السفينة التي يضيّعها الاقتتال الداخلي والصراع على السلطة البائسة، ولهذا يتحرّك شعب فلسطين ليعيد تصويب الاتجاه ببوصلته التي لم تخطئ يوماً، آخذاً مصيره بيده...